السيد كمال الحيدري
120
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
واقع خارج عن وجودهم ، ولكنّهم أنكروا أو لا أقلّ شكّكوا في قدرة الإنسان على إصابة الواقع الخارجي والوقوف على حقيقته ، كما هو عليه في نفس الأمر . والنتيجة الحاصلة من هذه المقدّمات هي أنّ الإنسان لا يطلب شيئاً إلا من جهة أنّه ذلكالشيء في الواقع ، ولا يهرب من شيء ولا يندفع إلا لكونه هو ذلك الشيء في الحقيقة . وهذا الأمر الفطري لا يختصّ بالإنسان البالغ العاقل وإنّما نجده في الطفل أيضاً . والسبب الأساس الذي يكمن وراء طلب الإنسان للحقيقة والبحث عنها هو حبّه للكمال وهروبه من النقص ، وهما أمران فطريان ، كما تقدّمت الإشارة إليه في مقدّمة هذه الرسالة . فمن خلال وقوفه على الموجودات الحقيقية وتمييزها عن غيرها يحاول أن يطلب تلك الحقائق التي تنسجم مع كماله الوجودي ، ويهرب من تلك الموجودات التي تتنافر ولا تتلاءم معه . وبتعبير الحكماء : يطلب لأن « يصير عالَماً عقلياً مضاهياً للعالم العيني » « 1 » ، وهذه هي النتيجة النهائية التي يريد الفيلسوف من بحثه عن الحقائق الوجودية التحقّق بها ، وهو أن يكون عالماً عقلانياً مطابقاً للعالم العيني الخارجي . ولكن حيث إنّ الإنسان لا يستطيع أن يتوفّر على بحث جميع الموجودات الجزئية لمعرفة كونها أَهي متحقّقة وموجودة أم لا ، لأنّها خارجة عن وسعه وقدرته ، فلا محالة توفّر سعيه لمعرفة الموجودات على وجه كلّي ، أي الوقوف على الأحكام العامّة « للموجود بما هو موجود » ومن هنا قال
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، الشيرازي ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 20 .